هذا نقد للديوان
من قبل الدكتورة جمانة العيتاني من لبنان
رجل وقلوب نساء
أبدأُ باسمِ اللهِ
فأستعيرُ قولَ قائلٍ:
وبليَّتِي في
"الشِّعرِ" أنِّي أينمَا**وُجِـدَ الجمالُ وجدتُّ أنِّي صَبُّهُ
لِأعترِفَ بادِئَ
ذِي بَدءٍ أنني أسيرةٌ لِكلِّ ما قرأتُهُ من إبداعاتِ شاعرِنا القدير ظافر ضهد الأسدي
، وما نَبَضَ في شرايينِ هذا الديوانِ مِن لَوحاتٍ حَيَّةٍ تَضِجُّ بِالجمال، رُسِمَتْ
بريشةٍ حاذِقةٍ فائقةِ الإحساس، في مَرسَمِ فنَّانٍ تنوءُ روحُهُ الشاعِرةُ بأكداسِ
الألمِ بكل الألوان، وإنِ استأثرَ الهَمُّ الوطنيُّ بأشَدِّها قتامًا، وأثقلِها إيلامًا،
وبَقِيَ طيفُ الأملِ مُترائيًا على استِحياءٍ في خلفيةِ اللوحات؛ إيمانًا برسالةِ الشعرِ
النبيلة، ومَهامِّهِ الجليلة في النَّسْجِ: بحرفٍ مِن ألم وحرفٍ مِن أمل، إلى أن يَهتديَ
الفجرُ التَّائهُ إلى العُنوانْ." رجل في قلوب النساء "
:ثُمَّ أنتقِلُ
إلى تعريفِ أسلوبه في الشعر بأنه
"أسلوب"
لإثارة العواطف والوجدان للوصول إلى سرورٍ آنيٍّ يتخذُ الجمالَ وسيطًا "لحقيقة
إنسانية تدب في الشريان "
لِأُعقِّبَ بقولي:
بل هو فَنٌّ مُتكامِلُ الأدواتِ والصفاتِ، والأركان
فالعُنوانُ الذي
هو أولُ عتباتِ الديوان، قد قامَ بدورِ العاشق للوطن والأنثى الأم والحبيبة المعشوقة
وللزوجة رفيقة الدرب فقد اختزلَ تفاصيلَ القصائدِ
بِحُنكةٍ، جاءتْ بنكهةِ الصَّابِ على العلقَمِ نكهة العسل المصفى ، فكان التكرارُ الذي
أوحتْ بهِ كُلّما والانفراجُ في اتسعتْ ثم صدمةُ فُقدانِ الأمل واكتشافِ خِدعةِ السَّراب
تضيق، قفزًا عنِ البيتِ التُّراثيِّ الشهير:
ضاقَتْ فلمَّا
استحكمتْ حلقاتُها**فُرِجَتْ وكُنتُ أظنُّها لا تُفْرَجُ
فهل مِن ضوءٍ وتكثيفٍ
يفوقان؟ وكأنَّما احتضَنَ العُنوان، كلّ ما يَقودُ إلى فَكِّ شفراتِ الديوانْ.
وحَسْبُ الإبداعِ،
ما أُلقِيَ علينا من عباءاتِ المَسرَّاتِ، بِقُدراتِ الشاعرِ على إسعادِنا، بِمُصاحبتِهِ
في إبحارِهِ المُتمَكِّنِ في بُحورِ البيان، مُنَضِّدًا إبداعاتِهِ بالياقوتِ والمَرجان،
وبخِبرتِهِ التراكُميةِ في اعتلاءِ الموجِ وصولًا إلى الشُّطآن؛ فليسَ سهلًا تَمامًا
أنَّ شاعرًا يُبكيكَ، على وطنِهِ المفقود أو صديقِهِ الذي ابتعدَ ولا يعود، وفي آنٍ
معًا، يخطِفُكَ مِنْ فَيضِ مآقيكَ، لِيُرِيَكَ كم هو مُفرِطٌ في الجمالِ ما قد قالْ.
فها هو شاعِرُنا
القدير، عَبْرَ وسائطَ شِعريَّةٍ مُفرطةٍ في بلاغتِها، أنيقةٍ في بِنيَتِها، يُحرِّكُ
عاطفةَ قارِئِهِ، عاصِفةً، نحو الوطنِ وأوجاعِهِ، تلكَ التي تستعصي على الحصر، كما
تبدو بِلا أملٍ في البُرء، مع تمطِّي ليلِ الأسى بِلا فَجرٍ يَرُدُّ التَّحيةَ، كلما
لوَّحتْ قلوبُنا خلفَ الضُّلوع وخفقت بحب جديد ، فليس غريبًا هذا التفاعُلُ الذي استطاعتْ،
من خِلالِهِ، هذه القيثارةُ الشّعرية –بِشكلٍ عامّ- أن تغمُرَنا بِسحرِها الذي انسابَ
نَغمًا عذبًا في القصائد الغزلية وأن تَتغلغلَ
في وِجدانِنا وتزرعَ في قرارتِهِ، كلَّ ما تُريدُ مِن إحسان، مُورِقًا مُزهِرًا مُثمِرًا
على مَرِّ الزّمانْ.
الرومنسيةَ الرَّائقةَ الحالمة عنده ، قد صِيغَتْ
من نقاءِ الياسَمينِ وسَطوةِ الرَّيَاحِين، لِتَبْقى طاهرةَ الأردانْ!
يَرصُدُ شاعرُنا
بِكُلِّ وَعيٍ ورَهَفِ شُعور، كلَّ ما يدور، لِيُعَتِّقَهُ في خَوابي القلبِ وذاكرةٍ
تأبى أن تكونَ مِصفاةً للهموم، ثُمَّ يَصُبَّهُ في كؤوسٍ شِعريةٍ: ِنَبِيذَ حرفٍ تَمَيَّزَ
بالتَّمَرُّدِ على الأنساقِ التقليديةِ، في التراكيبِ والعناوينِ، وقوالِبِ البلاغةِ،
والتعاطي مع الأبجديةِ
اترك تعليقا:
